عبد الوهاب الشعراني
700
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
واعلم أن أكثر الناس اليوم قد عدموا مناقشة نفوسهم في العمل بعلمهم ومناقشتها في المال الذي دخل في يدهم ، ومناقشتها في إنفاقه أو إمساكه ، هل يرضاه اللّه تعالى أم لا ؟ وكذلك عدموا مناقشة نفوسهم في ذهاب عمرهم في اللهو والغفلة والمعاصي ، فإن كل وقت مضى يختم عليه بما فيه وكذلك عدموا المناقشة في جسمهم ، هل بلي في طاعة اللّه عز وجل أو معصيته أو نوم أو لغو أو لعب ، فيا طول وقوفنا واللّه في تلك المواطن إلا أن يتغمدنا اللّه تعالى برحمته . واعلم يا أخي أنه كلما كثر علم العبد كثر حسابه ، وكذلك القول في المال والعمر فيسأل العالم عن كل مسألة تعلمها هل عمل بها أم لا ، وعن كل درهم اكتسبه هل فتش عليه من حيث الحل أم لا ، وهكذا فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وروى الترمذي وقال حديث صحيح مرفوعا : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه وعن عمله ماذا عمل به ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن جسمه فيم أبلاه » . فهذه أمهات الأمور التي يسأل العبد عنها وما عداها فروع واللّه تعالى أعلم . وروى الشيخان مرفوعا : « ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلّا هلك » . وروى أبو داود والطبراني والبزار مرفوعا : « من نوقش الحساب عذّب » . وروى الإمام أحمد ورواته رواة الصحيح مرفوعا : « لو أنّ رجلا خرّ على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت في طاعة اللّه عزّ وجلّ لحقّره ذلك اليوم » . وروى البزار مرفوعا : « يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين : ديوان فيه العمل الصّالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النّعم من اللّه عزّ وجلّ فيقول اللّه تعالى لأصغر نعمة في ديوان النّعم خذي ثمنك من عمله الصّالح فتستوعب عمله الصّالح ثمّ تجيء وتقول وعزّتك ما استوفيت وتبقى الذّنوب والنّعم وقد ذهب العمل الصّالح ، فإذا أراد اللّه عزّ وجلّ أن يرحم عبدا قال : يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيّئاتك ووهبت لك نعمتي » . وروى الشيخان مرفوعا : « لن يدخل الجنّة أحدا عمله . قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلّا أن يتغمّدني اللّه برحمته » . والأحاديث في ذلك كثيرة واللّه تعالى أعلم . [ عدم التمادي على شيء من العوج في الأعمال والأحوال : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهاون بتمادينا على شيء من العروج في أعمالنا وأحوالنا ما دمنا في هذه الدار ، فإن مشينا على الصراط على صورة